التفكير… وما أدراك ما التفكير. هو السمة التي تميّز الإنسان وتُثبت وجوده ككائن عاقل؛ لذلك قال ديكارت عبارته الشهيرة: “أنا أفكّر إذن أنا موجود”. فبفضل التفكير نفهم العالم، ونحلّ مشكلاتنا، ونتّخذ قراراتنا. لكن ماذا يحدث حين يتحوّل هذا النشاط الطبيعي إلى دوّامة لا تتوقّف؟ حين يصبح العقل مسرحًا لسيناريوهات قاتمة، ومرتعًا لتحليل كل موقف مئات المرّات، واسترجاع الحوارات القديمة، والقلق من المستقبل كأنّه واقع محتوم؟
هنا لا يعود التفكير نعمة… بل عبئًا يستنزف الطاقة ويُعطل الحياة اليومية. يصبح التفكير المفرط حالة مرهقة، تبتلع السلام الداخلي وتُضعف القدرة على العمل والتركيز واتخاذ القرارات. فما الحدّ الفاصل بين التفكير الصحي الذي يعكس الحكمة، والتفكير المُفرط الذي يشير إلى خلل يحتاج إلى تدخّل واعٍ؟ وكيف نواجه هذا الطوفان العقلي ونعيد للعقل هدوءه الطبيعي؟
أولًا: التفكير الصحي حين يكون العقل أداة للحياة لا عبئًا عليها
التفكير في صورته الطبيعية هو عملية ضرورية لإدارة الحياة. الإنسان السوي يستخدم التفكير في:
- تحليل المعطيات واستخلاص نتائج منطقية.
- اتخاذ قرارات مدروسة.
- تعلم الخبرات وفهم الذات والآخرين.
- التخطيط للمستقبل بدون مبالغة أو هلع.
- حل المشاكل بشكل واقعي وعملي.
هذا النوع من التفكير يخلق وضوحًا، ويمنح الإنسان القدرة على التقدّم وتحمّل المسؤوليات. هو تفكير محكوم بالمنطق، وله بداية ونهاية، ولا يتداخل مع النوم أو العمل أو الانشطة اليومية.
السمة الأساسية للتفكير الصحي:
هو تفكير يساعدك… لا يعلّقك.
ثانيًا: التفكير المفرط حين يتحوّل العقل إلى معاناة
عندما يتحوّل التفكير إلى اجترار متواصل، تتغيّر الصورة. يصبح الشخص سجين أفكاره بدل أن يكون سيّدها. التفكير المفرط له شكلان أساسان:
1) اجترار الماضي (Rumination)
حيث يعيش الشخص في إعادة تحليل مواقف قديمة، أخطاء، كلمات قالها، أو فرصة ضيّعها.
مثال: تكرار مشهد حوار حصل قبل سنوات، أو لوم النفس بلا توقف على قرار قديم.
2) القلق المفرط من المستقبل (Worry)
تصوّر سيناريوهات كارثية لكل شيء، حتى الأمور البسيطة.
مثال: “لو خرجتُ قد يحدث حادث”، “لو بدأت المشروع قد أفشل”، “لو قلت رأيي سيُساء فهمي”.
وغالبًا ما يعيش المفرطون في التفكير في كلا العالمين:
ماضي لا ينتهي… ومستقبل لم يأتِ بعد.
هذا الشكل من التفكير يُسمّى علميًا:
Chronic Overthinking أو اجترار الأفكار.
وهو يُشبه تشغيل فيلم في الرأس لا يمكن إيقافه، مليء بالصور والأحداث السلبية.
ثالثا: علامات الإفراط في التّفكير
من المهم أن يعرف الإنسان متى تجاوز تفكيره الحدّ الطبيعي. هذه أبرز العلامات:
- تحليل كل موقف أكثر من اللازم.
- إعادة تذكّر الأحداث السلبية باستمرار.
- صعوبة اتخاذ القرارات البسيطة.
- الشعور بالإرهاق الذهني يوميًا.
- القلق من المستقبل بشكل مبالغ فيه.
- تداخل الأفكار مع النوم.
- التفكير طوال الوقت في “كيف يراني الآخرون”.
- الشعور بأن العقل لا يتوقف حتى عند الراحة.
- الميل إلى توقع الأسوأ دائمًا.
- إحساس دائم بالتهديد حتى من الأمور الصغيرة.
هذه العلامات ليست مجرد “تفكير زائد”، بل مؤشر إلى أن العقل يعمل فوق طاقته الطبيعية.
رابعًا: الأسباب النفسية والعلمية للإفراط في التّفكير
التفكير المفرط ليس ضعف إرادة. هو غالبًا نتيجة عوامل متراكبة، منها:
1) القلق العام
الأشخاص القَلِقون بطبعهم يميلون إلى التفكير في أسوأ السيناريوهات لحماية أنفسهم.
2) تجارب الطفولة
من نشأ في بيئة نقدية أو غير مستقرة يطوّر عقلًا يراقب كل شيء طوال الوقت.
3) الشخصية الحسّاسة
الأشخاص ذوو الحساسية العالية (HSP) يشعرون ويفكّرون بعمق أكبر من الآخرين.
4) الكمالية (Perfectionism)
توقع أداء مثالي يجعل الشخص يحلل كل قرار 100 مرة خوفًا من الخطأ.
5) نقص الثقة بالنفس
من لا يثق بقراراته يعيد التفكير فيها مرارًا.
6) الإرهاق العاطفي أو النفسي
الإجهاد المستمر يجعل العقل يبحث عن السيطرة من خلال التفكير الزائد.
خامسًا: خطورة التفكير المفرط
قد يظن البعض أن التفكير الزائد مجرد صفة شخصية أو عادة مزعجة، لكنه فعليًا قد يسبب:
- الأرق واضطرابات النوم
- ضعف القدرة على اتخاذ القرارات
- تآكل الثقة بالنفس
- الإرهاق الذهني
- شحوب الدافعية
- اضطراب القلق
- الاكتئاب
كما يعيق القدرة على الاستمتاع باللحظة، ويجعل الشخص يعيش بعقل مجهد حتى حين يكون الجسد في حالة راحة.
سادسًا: كيف نواجه التفكير المفرط؟ 8 طرق عملية
إليك الخطوات الأكثر فعالية، مبنية على أساليب العلاج المعرفي السلوكي (CBT):
1) تدريب “إيقاف الفكرة” Stop Thought
عندما تداهمك فكرة مزعجة، قُل في سرك: إهدأ!
ثم استبدلها بجملة محددة مثل:
“هذا ليس وقت التفكير — سأعود للموضوع لاحقًا”.
العقل يُبرمج مع التكرار.
2) تخصيص وقت للتفكير
paradoxical technique
خصّص 15 دقيقة يوميًا للتفكير في كل ما يقلقك.
خارج هذا الوقت، امنع نفسك من التفكير الزائد.
بهذه الطريقة تحوّل التفكير إلى نشاط محدّد وليس دوّامة مفتوحة.
3) التفريغ الكتابي
اكتب كل ما يجول في ذهنك بدون ترتيب.
الكتابة تُخرج الأفكار من الرأس إلى الورق، حيث تصبح أقل ضخامة.
4) العودة إلى الجسد
التفكير المفرط يحدث في الرأس… والحل أحيانًا في الجسد:
- تنفّس ببطء
- مارس المشي
- اشرب ماءً
- مارس استرخاء العضلات
هذه التقنيات توقف “فرط نشاط الدماغ”.
5) اسأل عقلك: هل هذا تفكير أم خوف؟
ليس كل ما يبدو “تحليلًا” هو تحليل.
أحيانًا يكون مجرد قلق متنكر.
اسأل نفسك دائمًا:
هل هذه الفكرة تساعدني… أم تستهلكني؟
6) تقليل التعرّض للمعلومات
العقل المرهق لا يحتاج إلى المزيد من المدخلات.
خفّض استخدام السوشيال ميديا، خصوصًا المحتوى النفسي الذي يثير القلق بدل تهدئته.
7) قبول عدم السيطرة
أكبر سبب للتفكير المفرط هو محاولة السيطرة على كل شيء.
لكن جزءًا كبيرًا من الحياة لا يمكن التحكّم به.
القبول هو علاج… وليس استسلامًا.
8) التركيز على الحاضر
عادةً، الماضي يولّد الندم… والمستقبل يولّد الخوف.
الحاضر فقط هو المكان الآمن.
درّب نفسك على ملاحظة اللحظة الحالية:
صوت مروحة، ملمس الملابس، الشعور بالجسم على الكرسي.
هذه تقنيات Mindfulness مثبتة علميًا.
في الختام، هل يمكن الشفاء تمامًا من التفكير المفرط؟ نعم. لكن ليس بالضغط على زر.
إنه تدريب مستمر على إعادة العقل إلى مكانه الطبيعي:
أداة تُستخدم عند الحاجة… لا غرفة تعذيب تعمل ليل نهار.
التفكير الصحي يمنحك الحكمة.
التفكير المفرط يسرق منك الحياة.
والفارق بينهما…
هو قدرتك على معرفة متى تقول لعقلك: كفى.
روابط مفيدة:
The Psychology of Overthinking
Discover more from تواصل
Subscribe to get the latest posts sent to your email.

