هل أنت أمّ نرجسيّة؟

تعيش كثيرٌ من الأمهات صراعًا داخليًا مرهقًا بين محبّتهن العميقة لأطفالهن وبين بعض ردود الفعل القاسية أو الحادّة التي قد تصدر في لحظات الضغط النفسي أو الإجهاد. وغالبًا ما يرافق هذه الانفعالات شعورٌ طاغٍ بالذنب، يعقبه اعتذار واحتضان ورغبة صادقة في الإصلاح. ومع التّداول الحاصل لمصطلح النّرجسيّة وسيماتها في تعاملها مع ابنائها وخاصّة للأمّ المتزوّجة من شخص نرجسي تشعر أنّها هي النّرجسيّة في تعاملها مع ابنائها، عند هذه النقطة يبرز سؤال مؤلم يتردد في داخل الأم: هل أصبحتُ قاسية؟ هل يمكن أن أكون أمًّا نرجسيّة؟

هل أنت فعلا نرجسيّة؟

الحقيقة أنّ مجرّد طرح هذا السؤال يدلّ — بكل وضوح — على أنّ الأم بعيدة تمام البُعد عن النرجسية؛ فالشخص النرجسي لا يشعر بالذنب، ولا يسعى لتحسين ذاته، ولا يضع مشاعر الآخرين في الحسبان.

لكن… لماذا تشعر الأم أحيانًا بأنها تُعيد إنتاج سلوكيات لم تتصوّر يوما أنّها ممكن أن تمارسها على أبنائها، فما الذي جعل هذه الأم تكون بهكذا قسوة وعصبيّة معهم وتعاملهم بطريقة لا طالما كانت ترفضها؟ وكيف تسرّبت هذه الممارسات في تعاملها معهم؟

أولًا: جذور المشكلة

تنشأ بعض أنماط السلوك لدى الأمهات نتيجة ما يُعرف في علم النفس بـ:

صدى التجارب الطفولية- Childhood Echo

وهو نمط يظهر فيه سلوكٌ مكتسبٌ قديم كان يُمارَس على الأم وهي صغيرة أو كانت هي شاهدة على احد اخر يمارسه فيعود ليصدر منها دون وعي، خصوصًا عند التعب أو التوتر الشديد.وهنا الدماغ يسجّل التجارب التي تتكرر في الطفولة ويحوّلها إلى “استجابات جاهزة” تظهر تحت الضغط.

الخوف من فقدان السيطرة:

كثير من الأمهات لا يقسين على أبنائهن بدافع الغضب أو التسلّط، بل بدافع الخوف.
خوفٌ عميق ومتجذّر من أن يكبر أطفالهن دون قيم أو انضباط أو قدرة على مواجهة الحياة. وهذه النية الحسنة – إن لم تُضبط – تتحوّل أحيانًا إلى شدّة في التعامل، أو ردود فعل تفوق حجم الخطأ الحقيقي للطفل. ويحدث ذلك نتيجة تصوّر مبالغ عن خطورة الأخطاء الصّغيرة، فبعض الأمّهات يرين في التصرّفات اليوميّة العاديّة اخطاءً تهدّد مستقبلهم:

إذا لم يرتّب غرفته اليوم، سيصبح فوضويًا طول حياته.

إذا جاوبني بحدّة اليوم، سيتمرّد عليّ غدًا.

إذا لم ينجح في درس واحد، سينهار مستقبله.
هذا التضخيم يجعل الأم تتعامل مع الموقف وكأنها تُنقذ مصيرًا كاملًا، لا مجرد سلوك لحظي.

أو فلق شديد من تكرار أخطاء شوهدت في المجتمع. فقد تكون الأمّ شاهدت أبناء جيران أو أقارب بلا ضوابط أو بلا احترام، فتخشى أن يصبح أطفالها مثلهم، فتحاول شدّ الحبل أكثر مما ينبغي. بعض الأمهات تؤمن بفكرة أن الحزم = تربية جيدة، بينما الحقيقة أن التربية المتوازنة هي التي تجمع بين: الدفء + الحدود الواضحة + الحوار + القدوة. أكثر سبب محوري هو خوف الأمّ من نظرة المجتمع ومن كلام النّاس، “سيقولون إنني لم أُحسن تربيته” وبالتّالي يكون الردّ على سلوك بسيط بردة فعل مبالغ فيها.

ثانيا: لماذا عليك أن تتوقّفي عن هكذا سلوكيّات؟

لعصبيّة الأمّ انعكاسات سلبيّة اإلى خطيرة على نفسيّة الطّفل وسلوكه العامّ على مستقبله وشخصيّته عندما يكبر فينتج عن ذلك:

1. طاعة ظاهرية… وخوف داخلي

عندما يعتاد الطفل على ردود فعل شديدة، يركّز كل جهده على تجنّب غضب الأم بدل فهم السلوك الصحيح.
فيصبح طفلًا مطيعًا من الخارج، لكنه من الداخل:

  • متوتّر،
  • يراقب كل حركة،
  • يخشى الخطأ أكثر مما يرغب في الصواب.
    وهذه البيئة تُنتج “انضباطًا زائفًا”، لا بناء شخصية قوية.

2. قلق دائم من ارتكاب الأخطاء

الطفل الذي يُعاقَب أكثر مما يُوجَّه، يتولّد لديه اعتقاد بأن:
“الخطأ كارثة”.
هذا يجعله يعيش في منظومة خوف:

  • يخاف من المحاولة،
  • يخاف من المبادرة،
  • يخاف من التعبير عن رأيه أو رغبته.
    ومع مرور الوقت، يصبح قلقًا مزمنًا، لأنه يشعر أن أي خطوة قد تجرّ عليه غضب الأم أو رفضها.

3. تعلّم إخفاء الأفعال بدل إصلاحها

عندما تكون ردود الفعل قاسية، يختار الطفل الطريق الذي يحميه: الإخفاء.
لا يكذب لأنه سيّء، بل لأنه خائف.
يتعلّم أن الحقيقة مكلفة، وأن الصراحة مؤلمة، وأن الصمت أو الكذب أسلم له.
وبهذا يفقد أهم مهارة يحتاجها لينمو بشكل صحي:
الاعتراف بالخطأ وتحمّل المسؤولية.

4. ضعف القدرة على اتخاذ القرار

الأم التي تتدخل دائمًا وتصحّح بقوة، تُخرج الطفل من دائرة الفعل إلى دائرة الاتكال.
فينشأ طفلًا:

  • ينتظر الأوامر،
  • يخشى اتخاذ قرار،
  • لا يعرف كيف يختار،
    لأنه تعوّد أن هناك دائمًا من يقرر عنه… وأن أي قرار خاطئ يعرضه للعقاب.
    وبالتالي، يصبح البالغ لاحقًا مترددًا، ضعيف الثقة بقراراته.

5. ارتباط الخطأ بقيمة الطفل الذاتية (وهي الأخطر)

هذه هي الضربة العميقة التي لا تُرى.
عندما تشتدّ الأم على الطفل عند الخطأ، تتشكّل لديه فكرة داخلية تقول:
“أنا محبوب فقط عندما أكون جيدًا”.
ومع تكرار التجربة يصبح الخطأ، في نظر الطفل:

  • تهديدًا للحب،
  • تهديدًا للأمان،
  • تهديدًا لقيمته عند أمه.

وهذا أخطر ما قد يصل إليه الطفل، لأنه لا يرى الخطأ سلوكًا يحتاج تقويمًا، بل يراه تهديدًا لهويته.

فينشأ طفل:

  • حساسًا جدًا للنقد،
  • يخاف من الرفض،
  • يبحث دومًا عن الإرضاء،
  • وقد يصبح بالغًا يقدّم رضا الآخرين على سلامته النفسية.

وبما أن إستجابة الأطفال للقسوة ليست كلّها بنفس الطّريقة، حيث أنّ بعضهم ينكمش ويصبخ خائفا متردّدا وغير واثق والبعض الاخر وفق البنية النفسية والاستعداد الفطري، يتجه نحو بناء قناع نرجسي يحمي به نفسه.يحدث هذا عندما يشعر الطفل أن قيمته تهتز مع كل خطأ، وأن الحب يُسحب منه عند كلّ هفوة، فيعيش داخليًا في خوف عميق لا يستطيع تحمّله.
ولكي ينجو نفسيًا، يقوم لاشعوريًا ببناء آلية دفاع اسمها:

“التضخم التعويضي للذات” — Compensatory Narcissism

أي أنه يخلق صورة عن نفسه:

  • أنه الأفضل،
  • الأذكى،
  • غير قابل للخطأ،
  • وأن الآخرين أقل منه قيمة.

ليس لأنه مغرور…
بل لأنه يخاف جدًا من الشعور بالعجز أو الرفض.

هذه الشخصية النرجسية ليست غرورًا حقيقيًا، بل جدارًا يحميه من الألم الداخلي.

علامات هذا التكوين عند الأطفال:

  • يرفض الاعتراف بالخطأ تمامًا.
  • يلقي اللوم على الآخرين دائمًا.
  • يحتاج أن يكون “الأول” أو “الأفضل”.
  • ينفجر غضبًا عند الانتقاد.
  • يبحث عن الإعجاب وليس عن الحب الهادئ.
  • يحاول السيطرة على إخواته أو أصدقائه.

وكل هذا نابع من خوف عميق من أن يشعر بأنه “غير جيد بما يكفي”.

الأسباب التي تجعل هذا المسار يحدث بدل المسار الآخر (الخضوع والخوف):

  • طبيعة الطفل القوية أو الحساسة جدًا.
  • شخصية الأم أو الأب شديدة السيطرة أو النقد.
  • غياب الحوار أو الإصلاح الهادئ للسلوك.
  • مكافأة السلوك الجيد بالحب… ومعاقبة الخطأ بالبعد أو الغضب.
  • عدم تعليم الطفل أن “قيمته ثابتة” وأن “الخطأ جزء طبيعي من النمو“.

النتيجة في البلوغ:

قد يكبر الطفل ليصبح بالغًا:

ويحاول بناء صورة مثالية عن نفسه لكي يحافظ على شعور داخلي مضطرب.

متعطشًا للإعجاب،

يخاف من الفشل،

يتوتر من النقد،

فهل ما زلت أيّتها الأمّ الحنونة تتبعين نفس الاسلوب في التربية والتعامل مع أبنائك؟ بالتأكيد “لا” وبالتأكيد تريدين خطوات عمليّة تساعدك على السّيطرة على نفسك عوض محاولة السّيطرة على أبنائك، لذلك نقدّم لك في الأسطر الموالية خطوات تمكّنك من ذلك.

ثالثا: خطوات عملية للسيطرة على الانفعال وبناء تربية آمنة

1. تقنية الخمس ثوانٍ

قبل الرد على سلوك مزعج:
خذي نفسًا، وامسكي نفسك لخمس ثوانٍ، ثم ردّي.
تُظهر الدراسات أن هذه الثواني القليلة تخفّف ما يقارب 40% من ردود الفعل المتسرّعة.

2. استخدمي لغة المشاعر لا الاتهام

بدلًا من:
“أنت تتعبيني!”
قولي:
“أنا متوترة الآن… أحتاج دقيقة.”

وبدلًا من:
“لماذا فعلت هذا؟!”
قولي:
“أريد أن أفهم ما الذي حدث.”

اللغة الهادئة تُعلّم الطفل كيف يتعامل مع مشاعره أيضًا.

3. فرّقي بين “الطفل” و”السلوك”

الجملة الذهبية:
“أنا زعلانة من التصرف، لا منك أنت.”

هذه الجملة تحفظ كرامة الطفل وتمنع تراكم الجروح النفسية.

4. تخفيف الندم المبالغ فيه بعد الاعتذار

الاعتذار مهم، لكن الإفراط فيه يُربك الطفل ويدخلك في دوّامة جلد الذّات وتكرار السّلوك دون وعي.
فيكفي أن تقولي:
“سامحيني”
ثم تعانقينه… وينتهي الأمر. مع العزم على تحقيق تحكّم أفضل في المرّات القادمة.

5. تخصيص وقت اتصال عاطفي يومي

عشر دقائق يوميًا — لعب، حضن، حديث — تصنع فرقًا هائلًا في تنظيم مشاعر الطفل، وفي تهدئة الأم أيضًا.

6. كتابة خطة شخصية

إنّ الانفعالات القاسية التي قد تصدر عن الأم لا تكون قرارًا واعيًا بقدر ما هي استجابات لاواعية تشكّلت عبر سنوات من التجارب السابقة، ولهذا فإن إعادة برمجة اللاوعي تبدأ بتغذيته بالمعرفة الصحيحة حول نفسية الطفل، أثر الكلمات، والفرق بين الحزم والعقاب. ويكون هذا بحضور دورات تدريبيّة لطرق التعامل السّليم مع الأبناء وتعزيز التّواصل الفعّال وإدارة الإنفعالات وقراءة كتب تربويّة أو فيديوهات أو استشارة مختص في التّربية.

رابعا: دور العقلية الإيجابية في تهذيب السلوك

تشير كثير من التجارب التربوية إلى أن الأم التي تعيش بعقلية هادئة ومطمئنة وكأنّ الأشياء لا تهدّدها ولا تُربكها تنقل هذه الطاقة إلى أطفالها.
فكلّما كان ذهن الأم أكثر اتزانًا، كانت ردودها أهدأ، وتمكّنت من معالجة السلوك دون قسوة. والذي ممكن يساعدك على الوصول لهذا عمل روتين عناية بالذّات جسديّا بممارسة الرّياضة ويعتبر المشي المنتضم على رأس القائمة في خفض التوتّر وإعادة التوازن الى العقل وفكريّا بالقراءة والمطالعة وممارسة هواياتك المفضّلة التي ممكن تكوني نسيتيها مع نسق الحياة المتسارع وروحيّا بالإتّصال بالخالق بالصّلاة وقراءة القران وعلى ذكر قراءة القران تعتبر سورة البقرة كنز من كنوز البركة والأمان والإطمئنان والخيرات الكثيرة.فالعناية بالذّات ليست رفاهية… بل هي ضرورة تساعدك على مواصلة مهماتك واهمّها مهمّتك في تربية أبنائك.

خامسا:متى تحتاج الأم إلى مختص؟

يُفضَّل استشارة مختص نفسي إذا:

  • أصبح الانفعال يتكرر بشكل يومي.
  • شعرت الأم بأنها تفقد السيطرة لحظات الغضب.
  • ظهرت على الطفل علامات خوف دائم أو تجنّب.
  • كانت لدى الأم صدمات طفولة لم تُعالَج.
  • أصبح الشعور بالذنب معطّلًا للحياة اليومية.

المختص لا يغيّر الأم… بل يساعدها على اكتشاف أنماطها، وفهم جذورها، وبناء طرق جديدة أكثر صحة.

الخلاصة

أنت لستِ أمًا نرجسية.
أنت أم تحمل أثرًا قديمًا، وتعترف، وتعتذر، وتحتضن… وهذا دليل نضجٍ ومحبة.
الوعي هو الخطوة الأولى نحو التغيير، وقد خطوتِها بالفعل.
ومع تطبيق الخطوات السابقة، ستتبدّل ردود فعلك تدريجيًا، وستنمو بينك وبين أطفالك علاقة صحية دافئة، قائمة على الرحمة والاتصال العاطفي، لا على إعادة إنتاج جراح الماضي.

روابط مفيدة:

(834) Kydzzo – YouTube

3 أخطاء تدمر علاقتك بأبنك المراهق – تربية المراهق


Discover more from تواصل

Subscribe to get the latest posts sent to your email.

Scroll to Top