تعدد الزوجات هو موضوع جدلي في الفكر الإسلامي، فهو مباح في الشريعة بشروط صارمة، لكن تأويلاته واختلاف العلماء حوله تختلف بحسب فهم النصوص الدينية والفلسفة الأخلاقية. يعالج هذا المقال نظرة ثلاثة فلاسفة وعلماء: ابن حزم، ابن رشد، والغزالي، مع الإشارة إلى تطبيقاته الاجتماعية.
1. ابن حزم الأندلسي (994–1064م)
ابن حزم، الفقيه الظاهري المعروف بدقته في النصوص، يرى أن تعدد الزوجات حق شرعي محدد بالنص القرآني (النساء: 3)، لكنه يضع شرطًا أساسيًا:
“العدل بين الزوجات واجب لا يقبل الاستثناء.”
الأثر الاجتماعي:
ابن حزم يعتقد أن الالتزام بالعدل يحافظ على استقرار الأسرة والمجتمع، ويحول التعدد من عبء محتمل إلى خدمة اجتماعية.
وجهة نظره:
التعدد مشروع إذا كان الرجل قادرًا على العدل المادي والمعنوي.
لا يجوز للرجل تعدد الزوجات إلا إذا كان مؤهلًا فعليًا لتحقيق هذا العدل.
يرى أن التعدد ليس للتسلية أو الهروب من مشاكل الزواج، بل للمصلحة الشرعية والإنسانية، مثل عدم القدرة على الإنجاب أو رعاية الأرامل والمحتاجات.
2. ابن رشد (1126–1198م)
ابن رشد، الفيلسوف والطبيب والفقه المقارن، تناول التعدد من زاوية العقل والفلسفة الأخلاقية:
- وجهة نظره:
- التعدد جائز شرعًا، لكن العقل يحكم على مدى ملاءمته.
- الرجل الذي لا يملك القدرة على إدارة أكثر من علاقة زوجية واحدة بطريقة عادلة، لا يجب أن يتعدد.
- العدالة ليست فقط مادية، بل عاطفية ونفسية أيضًا.
- الأبعاد الاجتماعية:
- يرى أن التعدد اليوم، إذا أُسيء فهمه، يخلق توترًا وغيرة ومنافسة غير صحية بين الزوجات.
- هو يدعو إلى التقييم الواقعي قبل الإقدام على التعدد، معتبرًا أن الشرع جاء لتسهيل المصلحة، وليس لإشباع الرغبات الفردية.
3. الغزالي (1058–1111م)
الغزالي، الفقيه والمتصوف المعروف، يناقش التعدد من منظور الروح والأخلاق والتربية:
- وجهة نظره:
- التعدد ممكن شرعيًا، لكنه محكوم بالنية الطيبة والعدل التام.
- يرى أن النفس البشرية ضعيفة، والرجال غالبًا لا يحققون العدالة العاطفية بين الزوجات، مما يجعل التعدد غالبًا مصدرًا للفتنة والصراع النفسي.
- ينصح الغزالي بالزواج الأحادي إذا لم يكن الرجل قادرًا على العدل الكامل.
- البعد الأخلاقي:
- التأكيد على مسؤولية الرجل تجاه كل زوجة وأولاده.
- التعدد يجب أن يكون وسيلة للخير، لا للهروب من مشاكل الزواج أو لتحقيق الذات فقط.
خلاصة
- ابن حزم: الالتزام بالنصوص الشرعية وتحقيق العدل شرط أساسي.
- ابن رشد: العقل والحكمة يحددان جدوى التعدد، العدالة العاطفية والنفسية جزء أساسي.
- الغزالي: التركيز على البعد الأخلاقي والنفسي، والتنبيه على ضعف النفس البشرية في تحقيق العدل.
تعدد الزوجات ليس مجرد حق قانوني أو شرعي، بل مسؤولية أخلاقية واجتماعية. إذا لم يتحقق العدل، يصبح التعدد أداة للظلم، وليس وسيلة للخير.
روابط مفيدة:
تعدد الزوجات مع المفكر محمد شحرور
Discover more from تواصل
Subscribe to get the latest posts sent to your email.

