قد تمرّ لحظات نشعر فيها بأن أكتافنا أضعف من أن تحمل الحياة وحدها، فنبحث بشكل لا واعٍ عن شخصٍ يطمئن، يوجّه، أو حتى يقرّر عنّا. ومع الوقت، يتحوّل هذا البحث إلى نمطٍ ثابت… إلى اعتمادية تربط مصيرنا بوجود الآخرين.
الإعتمادية ليست ضعفًا، بل جرحًا نفسيًا قديمًا يتخفّى خلف الرغبة في الحماية، وتبدو أحيانًا كحلّ سهل للهروب من مسؤولية القرار. لكن الحقيقة أنّ هذا النمط يسرق من الإنسان ثقته، استقلاله، وصورته عن نفسه.
في هذا المقال، لن نلومك ولن نطالبك بأن “تكون قويًا فجأة”، بل سنكشف الطريق الهادئ والعميق للخروج من دائرة الاعتمادية… خطوة بخطوة، وبطريقة تعيدك إلى نفسك قبل أي شيء آخر.
تعريف الإعتماديّة
الإعتمادية ليست مجرد حاجة لشخص، بل هي نمط نفسي يجعل الإنسان يعتقد – بوعي أو بدون وعي – أنه غير قادر على مواجهة الحياة وحده، فيبحث عن شخص أقوى، أهدأ، أو “أكثر معرفة” ليشعر بالأمان.
وغالبًا تتكوّن بسبب:
تربية فيها حماية زائدة.
تجارب خذلان مبكرة جعلت الشخص يشعر أنه لا يستطيع الاعتماد على نفسه.
قلق داخلي يخوّف من اتخاذ القرارات.
أعراض الإعتمادية
خوف كبير من اتخاذ قرار دون استشارة شخص محدد.
الشعور بأنك “تنهارين” إذا ابتعد من تعتمدين عليه.
اعتبار وجود شخص معيّن شرطًا للشعور بالأمان.
تقديم رغبات الطرف الآخر دائمًا خوفًا من فقدانه.
البحث عن علاقة تمنحك شعور الإنقاذ أو الحماية.
العلاج: خطوات عملية واضحة
أولًا: إعادة بناء العلاقة مع نفسك
هذه أهم خطوة، لأنها تعيد السلطة إليك بدل الآخر.
1. اسألي نفسك: ما الذي أعتقد أن المنقذ يمنحه لي؟
عادة الإجابة تكون:
- الأمان
- الثقة
- التوجيه
- التصديق
- الشعور بالقيمة
إذا عرفتِ ما تبحثين عنه، يمكنك البدء بإعطائه لنفسك.
ثانيًا: تدريب الاستقلال النفسي
2. قاعدة الـ 5 دقائق
كل قرار صغير كنتِ تسألين عنه الآخرين، انتظري 5 دقائق وفكّري:
- ما الخيارات؟
- ما أسوأ السيناريوهات؟
- ما الأفضل لي؟
هذا التمرين يعيد برمجة دماغك تدريجيًا بأنك قادرة على اتخاذ قرارك.
ثالثًا: إعادة برمجة الاعتقاد الجذري
الاعتقاد الجذري في الاعتمادية هو:
“أنا لا أستطيع وحدي.”
نعالجه ببديل منطقي واقعي وليس عاطفيًا:
“أنا أستطيع، وقدرتي تنمو بالتدريج.”
كرّريه في لحظات التوتر. العقل الباطن يتغيّر بالتراكم لا بالصدمة.
رابعًا: بناء حدود صحية
3. توقّفي عن جعل الآخرين مركز حياتك
- لا تجيبي فورًا على الرسائل.
- لا تتخذي القرارات لإرضاء الآخر.
- لا تمنحي وقتك كله لشخص واحد.
الحدود ليست عقابًا، بل حماية لهويتك.
خامسًا: استعادة الأمان الداخلي
4. تمرين “الأمان الجسدي” (Somatic Safety)
مرة يوميًا:
- اجلسي وخذي نفسًا عميقًا.
- وضعي يدًا على صدرك ويدًا على بطنك.
- قولي: “أنا هنا. أنا آمنة الآن.”
هذا يهدّئ الجهاز العصبي الذي يدفعك للبحث عن منقذ.
سادسًا: بناء شبكة دعم بدل منقذ واحد
الاعتمادية غالبًا تظهر لأن الشخص يعتمد على شخص واحد.
الحل هو أن يكون لديك:
- صديق/ة
- قريب
- مجموعة دعم
- إطار مهني أو تعليمي
“التوزيع” يخفّف التعلّق ويمنع التمحور حول فرد واحد.
سابعا: صناعة تجربة نجاح يومية
كل يوم…
اعملي فعلًا صغيرًا يعزّز إحساسك بالقدرة:
- اتخاذ قرار وحدك
- إنهاء مهمة
- رفض شيء لا يناسبك
- تعبير عن رأيك
العقل يتعلّق بالأقوى… فإذا كنتِ قوية، سيتعلّق بك أنت، لا بغيرك.
الخلاصة
الاعتمادية ليست عيبًا ولا ضعفًا، بل نمطٌ يتشكّل حين يفقد الإنسان ثقته بأن يقف وحده في مواجهة الحياة. ومع ذلك، فإن التحرّر منها لا يعني أن تحولي نفسك إلى شخص لا يحتاج أحدًا، ولا أن تعيشي في عزلة أو صلابة زائفة.
الهدف الحقيقي هو أن تكوني قادرة على الوقوف، حتى لو لم يوجد أحد.
أن تستطيعي الاعتماد على نفسك أولًا، ثم تختاري بعدها من تشاركينه حياتك لا من تنقذين به حياتك.
فالعلاقات الصحيّة لا تُبنى على التعلّق ولا على الإنقاذ، بل على الاحتياج المتبادل: كل طرف قادر بذاته، ومع ذلك يمدّ يده للآخر من موقع قوة ووعي—not من موقع خوف أو هشاشة.
عندما تستعيدين ثقتك وقدرتك على اتخاذ القرار، لن تبحثي عن منقذ، بل عن شريك.
ولن تتعلّقي بأي أحد، لأنك في الداخل أصبحتِ السند الذي كنتِ تبحثين عنه طويلًا.
روابط مفيدة:
What Are the Signs of Codependency?
Discover more from تواصل
Subscribe to get the latest posts sent to your email.

