قد يتساءل بعض الآباء وأولياء الأمور: هل من الأفضل أن “أعلّم طفلي الصبر والتحمّل”، حتى لا يكسر أي كلام أو ضغط؟ أم أن الصبر على أي شيء — حتى لو كان كلام جارح أو إهانة — يعلّمه قبول الظلم؟ الحقيقة أن هناك فرقًا كبيرًا بين “الضغط البنّاء” و**“الإيذاء الذي لا يجب قبوله”**. الفارق بينهما هو ما يصنع طفلًا قويًا ووازنًا نفسيًا… أو طفلًا خائفًا، على غير راحته، يقبل الإهانة كأمر “عادي”.
في هذا المقال نسلّط الضوء على هذا الحد الفاصل، ونعرض لماذا من المهم أن يفهم الأهل والطفل هذا الفرق، مع الشواهد والأدلة العلمية. وماهو الحد الفاصل بين الثبات النفسي وبين التّطبيع مع الأذى.
أولًا: ما المقصود بـ “الثبات النفسي”؟
الثبات النفسي (psychological resilience) يعني قدرة الطفل على تحمل الضغوط الطبيعية، مثل الفشل في واجب، صعوبة درس، أو امتحان صعب، أو تعب من الدراسة أو تركيز. هذه الضغوط طبيعية في عالم التعلم، ويمكن تعليم الطفل كيف يتعامل معها: بتنظيم الواجبات، تقسيم المهام، دعم من الأهل، تشجيع، وتفهّم.
هذا النوع من “الضغط” ليس هدفه إذلال الطفل، بل بناء مرونة نفسية — أن يفهم أن الأخطاء جزء من التعلم، وأن التحدي جزء من النمو، وأن الفشل أو الخسارة لا تعني أن الشخص “غير جدير”.
في بيئة تدعم التعبّ وتجعل من التعلم تجربة إيجابية — حتى لو فيها صعوبة — ينمو الطفل بقوة داخلية وثقة بنفسه. هذه هي “عضلة الصبر والتحمّل” التي تفيده طول حياته. كثير من علماء علم النفس يجمعون أن المرونة النفسية تتعزّز بالدعم الأسري، بالثقة بالنفس، وببيئة آمنة. PubMed+2dapt.journals.ekb.eg+2
ثانيًا: ما هو “التطبيع مع الأذى”؟
على الجانب الآخر، هناك ما يُسمّى التطبيع مع الأذى — أي أن نُعلّم الطفل أن يتحمّل الإهانة أو الكلام الجارح أو التحقير، كما لو كان جزءًا طبيعيًا من الحياة أو من “التربية الجادة”. هذا لا يبني صلابة، بل يبني خضوعًا.
الإيذاء اللفظي من المعلمين أو أي شخص بسلطة — مثل: “أنت بطيء”، “ما تنفعش”، “أنت حساس زيادة”، “ستضيعني” — ليس نقدًا بنّاءً، بل تحقيرًا. تطبيع هذا الكلام معناه أن الطفل يتقبّل أن كرامته غير مهمة، ويتعلم أن الصمت هو أفضل خيار.
الدراسات تؤكد أن هذا النوع من المعاملة يترك أثارًا نفسية طويلة الأمد: انخفاض ثقة بالنفس، مشكلات سلوكية، اضطراب في الانفعالات، تراجع الأداء الأكاديمي، وحتى مشكلات عقلية (قلق، اكتئاب). Wikipédia+3PubMed+3PubMed+3
من ناحية نفسية، يمكن أن يُعتبر “تنمّر من المعلم” (teacher verbal abuse / teacher bullying). وهذا ليس عبورًا طبيعيًا للضغط الدراسي — بل اعتداء يستدعي وقفة. PubMed+2
ثالثًا: ما هو الخط الفاصل؟ كيف تعرف أن ما يحدث “ضغط بنّاء” وليس “أذى”؟
يمكنك التمييز بينهما عبر أسئلة بسيطة:
- هل الهدف هو تعلّمه وتحسينه؟ أم تحقيره وإهانته؟
- إذا كان الأستاذ يشرح، يشجّع، يعطي فرصة ثانية، فهذا تعلم.
- أما إذا كان يكرر كلامًا جارحًا، يسيء، أو يهدد، فهذا أذى.
- هل الطفل يشعر بالأمان أو بالخوف؟
- في الضغط البنّاء: الطفل يشعر أنه يُحاسَب، لكن ليس مهدَّدًا.
- في الأذى النفسي: يشعر بالخوف، بالقلق، أو الحرج، أو الكراهية.
- هل التأثير مؤقتًا ومحدودًا؟ أم دائمًا ومتكررًا؟
- صعوبة امتحان، تعب مؤقت → طبيعي.
- إهانة يومية → مؤذٍ.
- هل هناك احترام للكرامة والإنسانية؟
- النقد البنّاء يحفظ كرامة الطفل.
- التحقير يسلبها.
إذا كانت الإجابات تشير إلى التحقير، الخوف، التهديد، فقد دخلنا منطقة “التطبيع مع الأذى” وليس “بناء صلابة”.
رابعًا: لماذا التطبيع مع الأذى خطير جدًا؟
- تأثير نفسي طويل الأمد: الأطفال يتذكرون الكلمات التي قيلت لهم في المدارس حتى في البلوغ. الإهانة المتكرّرة تترك ندوبًا نفسية، تؤثر على احترام الذات، الثقة، وحتى الصحة العقلية. PubMed+2Wikipédia+2
- تراجع التحصيل الدراسي: بينما يجب أن تكون المدرسة مكان تعلم، يصبح مكان خوف. الأطفال الضحايا يتجنبون المشاركة، يفقدون الحافز، وقد يكرهون المدرسة. PMC+1
- مشكلات سلوكية واجتماعية: من العزلة إلى العدوان أو الاكتئاب أو اضطرابات نفسية. PubMed+1
- رسالة ظاهرها “تحمل” وباطنها “خضوع”: الطفل يتعلم أن يُسكِت خوفًا أو خجلاً، بدل أن يدافع عن كرامته.
خامسًا: إذاً… متى نُعلّم الطفل الثبات، ومتى نحميه ونوقِف الإيذاء؟
عندما يكون التحدّي دراسيًا: واجب صعب، امتحان، تعب أو ضغط مؤقت… نعم: شجّعه، ساعده، رتّب له وقتًا مناسبًا، علمه تنظيم نفسه، اشعره بالفخر على محاولاته.
أما إذا كان مصدر الصعوبة هو شخص — معلم يتعمد الإهانة أو التحقير: في هذه الحالة
- لا تطلب من الطفل أن “يتحمَّل”…
- بل احمِه.
- تصرّف فورًا: تحدث مع إدارة المدرسة، أو ولي الأمر، أو جهة حماية إذا لزم.
- ساعد طفلك نفسياً، استمع له، أعطه دعمك.
الخلاصة
الثبات النفسي الحقيقي لا يُبنى بالإهانة… بل بالتحدي المحترم.
أما التطبيع مع الأذى فيخرّب روح الطفل، ويزوّر مفهوم القوة.
كولي أمر، مسؤوليتك أن تُميّز هذا الفارق، وأن تكون حارسًا لكرامة طفلك، لا مدرّبًا لقبول الظلم. لا تدع أحد يقلل من قيمة كرامته تحت ذريعة “التربية”.
Discover more from تواصل
Subscribe to get the latest posts sent to your email.

