ما كل هذه الأحكام التي تؤسس لاستعباد المرأة هل صحيح أن الله وضع كل تلك الأحكام أم هي نتاج ثقافة المجتمعات الذّكورية. إذ كيف سيأمر الله بجعل إنسان تحت سلطة إنسان آخر له ما له من نوازع النفس الأمّارة بالسّوء؟. ألم يقل سبحانه إنّ من أزواجكم عدو؟ هل سيؤسس سبحانه لاستباحة كرامة زوجة من عدوّها؟ ثم نحن لا نعلم أن كان عدو ام لا، والله يعلم أنها لا تعلم ذلك فهو سبحانه لن يضع أحكاما تؤسس لإحتمالية أن تقع تحت سلطة عدوّها ليقهرها ويسلبها حقوقها وكرامتها.
أوّلاً: الله لا يُشرّع الظّلم
القرآن واضح في هذا المبدأ:
“وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ” (فصلت: 46)
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل: 90)
فأساس التشريع الإلهي هو العدل والمساواة والكرامة، ولا افضليّة لمخلوق على مخلوق الّا بالتّقوى.
كما جاء في القرآن أنّ التّفاضل يكون بالتّقوى والعمل الصّالح فقط لقوله سبحانه وتعالى:
“إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13)
إذن، لا يمكن أن يضع الله نظامًا يجعل مخلوقًا قاهرًا لمخلوق آخر، لأن هذا يناقض صفة العدل الإلهي.
ثانياً: الأحكام التي فُسِّرت كـ«أفضليّة الرّجل على المرأة» أخذت بالظاهر
كثير من الآيات مثل:
“الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ” (النساء: 34)
فُسِّرت قديمًا على أنها سلطة مطلقة للرجل، لكنّ المعنى الأصلي لكلمة قوّام هو القيام بالرعاية والمسؤولية والإنفاق، لا الهيمنة.
أي أن الآية لا تشرّع تسلّطًا، بل تكليفًا ومسؤولية في زمنٍ كانت المرأة فيه بلا حماية ماديّة أو قانونيّة.
أما من فهمها على أنها “إذنٌ بالقهر”، فهو منح سلطة بشريّة باسم الدّين لا أساس لها في روح القرآن.
ثالثًا: الفقه نتاجُ زمانه ومجتمعه
الكثير من ما يُروى من “أحكام” ليست نصوصًا قرآنية، بل اجتهادات فقهاء عاشوا في مجتمعات أبوية.
هم اجتهدوا بحسب فهمهم وظروفهم، لكنّهم ليسوا معصومين، ولا تُلزمنا آراؤهم في كل زمان ومكان.
فكما طوّر الفقهاء أحكام التجارة والعبودية والحرب مع تغيّر الزمان، يمكن أيضًا إعادة قراءة فقه المرأة بنور العدالة القرآنية.
رابعًا: الإسلام في جوهره حرّر المرأة ولم يستعبدها
فالقرآن في زمن كان فيه وأد البنات عادة، أعلن:
“وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ”
وأعطاها:
- الحق في الميراث (شيء غير مسبوق وقتها)،
- الحق في التملك والتجارة،
- الحق في الرفض والقبول في الزواج،
- الحق في طلب الطلاق (الخُلع)،
- والحق في الدفاع عن نفسها في القضاء.
لكن مع مرور الزمن، تراكمت تأويلات قبليّة ذكورية شوّهت المقاصد الأصلية.
خامسًا: الله لم يجعلنا تحت سلطة “عدوّ”
“كيف سيأمر الله بجعل إنسان تحت سلطة إنسان آخر له ما له من نوازع النفس الأمّارة بالسوء؟”
هذا سؤال جوهري.
الله لا يكلّفنا بقبول الظلم حتى لو كان من أقرب الناس:
“لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ”-حديث نبوي-
بل دعا إلى المودة والرحمة في العلاقة الزوجية:
“وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً” (الروم: 21)
وهذا هو الأصل، لا القهر ولا التسلّط.
الخلاصة
الله لا يشرّع الظلم، بل العدل والمساواة في الكرامة بين الناس.
الآيات التي فُهمت كتسلّط للرجل هي في حقيقتها تكليف بالرعاية لا سلطة بالقهر.
التمييز ضد المرأة جاء من تأويلات بشرية ذكورية لا من روح الإسلام.
الإسلام في جوهره حرّر المرأة وكرّمها، والعلاقة بين الزوجين تقوم على المودّة والرحمة لا الهيمنة.
Discover more from تواصل
Subscribe to get the latest posts sent to your email.

